الأربعاء، 18 يوليو 2012

من أركان الإسلام: الصيام (1)


إن الصيام طبقاً لمفهوم دين الحق هو الإمساك أو الامتناع الاختياري عن التلبية الفورية لمطالب الإنسان المترتبة على مقتضياته الجسدية وذلك في سبيل تزكية نفسه والقيام بحقوق كيانه الجوهري وتذكير نفسه بأنه لا يحيا بالجسد وحده، فالصيام هو الذي كُتب، والحد الأدنى اللازم للوفاء به هو صوم رمضان، ويجب أن يوطن الإنسان نفسه علي الصيام بالمعاني الأخرى فيلتزم بالصمت لمدد يعتد بها من حين إلي آخر ويعتزل الناس كذلك من حين إلي آخر وأن ينوي دائماً أن يكف أذاه وشره عنهم.
------------
إن كل مؤمن مكتوب عليه الصيام بمفهومه العام الذي كان دائماً معلوماً لأنه من أركان دين الفطرة، وهو مطالب به بقدر وسعه، فالمسلمون كانوا يمارسون الصيام مثلما تعلموه من ملة إبراهيم الحنيفية كوسيلة لتزكية النفس من قبل أن يكتب عليهم، وعندها فقد تم عن طريق القرآن تنقيحه وتعديل ونسخ بعض أحكامه والإبقاء على البعض الآخر، ومن ذلك مثلا أن أيام الصيام بعد أن كانت اختيارية أصبح المقصود بها شهر رمضان على سبيل الإيجاب والإلزام، كما أصبح لا حرج عليهم في الرفث إلى نسائهم في ليالي الصيام بعد أن كان ذلك محرما عليهم في ملة إبراهيم عليه السلام.
------------
الصيام هو التعبد لله تعالى بترك بعض الرغبات الجسدية التي هي محللة أصلاً مثل المفطرات والجماع من طلوع الفجر إلى الليل، وهذا يتضمن بالأولى والأحرى ترك ما هو محرم أصلا مثل الغيبة والنميمة وقول الزور واللغو والرفث وكذلك ترك كل ما فيه شبهة وكل ما يمكن أن يستجد من وسائل إشباع الرغبات الجسدية، لذلك يجب وجوبا قطعيا الامتناع عن تعاطي المخدرات والدخان أثناء الصيام، إنه يجب دائما أن تؤخذ المقاصد المنصوص عليها في الاعتبار، ومن مقاصد الصيام المعلنة التحقق بتقوى الله وأداء واجب الشكر لله، ولا شك أن تعاطي الدخان أو مشاهدة ما يسمى بالأفلام الجنسية مثلا يتعارض تماما مع ذلك المقصد، فلا يمكن أن يشكر الإنسان ربه باقتراف ما يحرضه على معصيته.
------------
إن الصيام هو امتناع اختياري عن تناول ما هو مباح تحقيقاً لمقاصد سامية مثل تزكية النفس والتحقق بالتقوى وشكر الله تعالى، وهو من أركان دين الفطرة ولابد منه لضمان سلامة البنيان الإنساني والكيان الجوهري، وهو ينبغي أن يكون صياماً حقيقيا وليس مجرد تغيير مواقيت تناول الوجبات أو تركيزها في وجبتين، ويجب أن تقل الكمية الإجمالية لما يتناوله الإنسان من طعام علي مدى اليوم عن الكمية المعتادة.
------------
إن الصيام هو الامتناع الاختياري لفترة محددة عن الاستجابة لمطالب الكيان المادي للإنسان من طعام أو شراب أو جماع، فالامتناع عن تلك الأمور التي اقتضتها الطبيعة البشرية هو أيضاً إشارة إلي ضرورة الإمساك الباطني عن مقتضيات الطبيعة النفسية الإنسانية، وهو من مقتضيات إلزام الكيان الأدنى بمطالب الكيان الجوهري الأعلى، فليس بالوفاء بمطالب الجسد فقط يحيا الإنسان وإنما يحيا كيانه الجوهري بنور ربه وبكلماته وبروح منه، وبذلك أيضاً يتذكر الإنسان أن ربه هو الأحد الصمد المتين المنزه عن كل ما يتصف به مخلوقاته، فهو المنزه عن الحاجة إلى مدد خارجي من الطعام والشراب وهو المنزه عن الاتصاف بما لا يتفق مع حسنه وكماله الذاتي المطلق، وبذلك التذكر يتطهر الإنسان مما يخالف مقتضيات الإيمان فلا يسيء الظن بربه ويعلم أنه إذا كان الإنسان يستطيع أن يتطهر ولو لمدة محدودة من مقتضيات الطبيعتين البشرية والإنسانية والتي هي من لوازم نقص ماهيته الحقيقية فإن ربه الذي له الكمال الذاتي المطلق منزه تنزيهاً ذاتيا عن كل ذلك وأنه لهذا أحق أن يعبد وحده لأن كل من هم دونه مهما بلغت مراتبهم الكمالية دائرون في فلكه ومنجذبون إليه وما لديهم من كمال إنما هو منه وكل من هم من دونه آلات بيده وهو الآخذ بنواصيهم والمستوى على عروشهم.
والصيام هو الامتناع عما يخالف مقتضيات الإيمان والتقوى والشكر لله وما يقتضيه ذلك من الامتناع الاختياري عن مطالب الكيان المادي للإنسان من طعام وشراب وجماع لفترة محدودة، فالامتناع الثاني وسيلة لتحقيق الامتناع الأول وإشارة إلى أنه ليس من طاقة الإنسان في كل الأحوال وإنما هو مقصد يسعى إليه، فالإنسان يوطن نفسه ويعقد العزم على الإمساك عما يخالف مقتضيات الإيمان والتقوى والشكر وهو يعلم أن هذا أمر فوق طاقته ووسعه وفوق طاقة كيانه النفسي ولكنه يتقوى على ذلك بامتناعه عن أمور لا يستطيع الامتناع عنها تماما وبصفة دائمة لتقيده بكيانه المادي، وكل ذلك من سبل تزكية النفس وتحقيق المقصد الأعظم الثاني، فالامتناع عن تلك الأمور التي اقتضتها الطبيعة البشرية هو عنوان على الإمساك الباطني عن مقتضيات الطبيعة الإنسانية.
------------
إن الصيام يشير إلي أنه علي الإنسان الإمساك عما يخالف مقتضيات الإيمان والتقوى والشكر لله، ومحدودية الفترة التي يجب فيها الصوم إشارة إلى أنه ليس من طاقة الإنسان في كل الأحوال الإمساك عما يخالف هذه المقتضيات وإنما هو مقصد يسعى إليه، أما الامتناع عما يخالف مقتضيات التقوى فيعنى ألا يغفل الإنسان عن ذكر ربه وأن يستشعر دائما حضوره الذاتي معه بكافة أسمائه الحسنى.
أما الإمساك عما يخالف مقتضيات الشكر فهو ألا ينسب الإنسان إلي غير ربه ما هو فيه من نعمة وأن يعلم أن كل ما به من نعمة وما هو له من صفات كمال إنما هو من الله سبحانه وتعالى وأنه ليس للإنسان إلا نقصه الذاتي وأنه لا يمتلك شيئاً ما امتلاكا حقيقيا وإنما هو مستخلف فيه لأجل معلوم، ومن أعظم النعم على الإنسان تحقق كيانه وتمتعه بالوجود، فعليه ألا يسيء استعمال ما أنعم الله به عليه واستخلفه فيه وأن يحسن استعمال كل ذلك طلبا لمرضاة الله سبحانه وتعالى  أي لتحقيق مقاصد الدين العظمى.
------------
إن القيام بالصيام يشير بالأولى إلى ضرورة القيام بأركان أخرى مثل تزكية النفس والقيام بحقوق أسماء التنزيه والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، فالامتناع عما هو إثم محرم هو أولى من الامتناع عما هو محلل.
------------
إن المقصد من الصيام هو التحقق بالتقوى وبالشكر لله تعالي، والتقوى هي كل ما يترتب علي الإحساس الصادق بالحضور الإلهي والمعية الإلهية، فالصيام إذاً هو السبيل إلى تنمية الإحساس بالقرب الإلهي والمعية الإلهية، ذلك لأن سبيل التقرب إلي الله سبحانه وتعالي هو الاتصاف بمقتضيات سماته، والصيام هو إعلان من أنية الإنسان وكيانه الجوهري بالاستعلاء علي الجسد ومطالبه ومقتضياته وبأن الإنسان يستطيع أن يحيا دون حاجة إلي مدد خارجي من الأشياء المادية الدنيوية وأن يكتفي بكيانه الأعلى والأبقى، وهو بذلك أيضا يتذكر الإله الأعظم وكيف يحيا غنيا بذاته عن كل ما هو من دونه.
والصيام مرتبط بالزكاة وبإطعام الطعام، وتلك صفات إيجابية مستندة إلي سمات إلهية ومنها الكرم والجود وإرادة الإحياء والإعطاء، وبذلك يجمع الإنسان بين مقتضيات ومظاهر التسبيح وبين مقتضيات ومظاهر التسبيح بالحمد، فكل تلك العبادات تقرب الإنسان من حضرة ربه وتزيد من تحققه بالتقوى وبها يكون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر في الدنيا قبل الآخرة.
------------
والصيام هو وسيلة الإنسان لقهر الجانب البهيمي من كيانه والذي هو مدخل الشيطان إلي نفسه، وهو أيضا مراد لمقاصده ومنها التحقق بالتقوى والشكر لله تعالى، وصيام رمضان بالمعنى المعلوم هو الحد الأدنى اللازم للوفاء بهذا الركن، وهذا الركن من مقتضيات القيام بحقوق الأسماء الإلهية التنزيهية والتي هي من تجليات ومظاهر الأحدية والصمدية، والصيام هو من أفعل الوسائل اللازمة لتزكية النفس وتذكير الإنسان بطبيعة كيانه الجوهري، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الامتناع عن الصيام أو عن تحقيق مقاصده والافتتان بالجسد وشدة الانشغال بمطالبه، و صوم رمضان من أركان الإسلام الفطري وهو أيضاً من أركان الإسلام الظاهري التي يجب الاحتفاء بها وإعلانها لإظهار الانتماء إلي الأمة.
والصيام واجب علي كل إنسان يجد أنه في طاقته، وهو في ذلك رقيب علي نفسه، أما من يجد أنه في حاجة إلي بذل ما هو فوق طاقته ليتمكن من الصيام وأن حالته هذه لا سبيل إلي تغييرها فعليه أن يطعم مسكيناً عن كل يوم وجب عليه صومه، وممن ينطبق عليهم هذا الأمر الشيخ الكبير أو من يمارس عملاً شاقاً مضنياً في درجات حرارة عالية جداً أو منخفضة جدا…إلخ.
والصيام لا يعني مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع في النهار فقط ولكنه يتضمن الامتناع عن تعاطي ما فيه شبهة أو ما هو محرم بالأولى، والإسلام هو دين مقاصد وحكم، فتحريم الجماع أثناء الصيام يتضمن تحريم كافة صور الإشباع الجنسي أخرى، أما التدخين فهو محرم في الصيام وفي غيره، والتدخين محرم لأنه يتضمن التبذير والإسراف وتبديد الموارد وإلقاء النفس في التهلكة والاعتداء على حقوق الآخرين وظلم النفس والغير، ويجب أن يعلم كل إنسان أن الرب سبحانه وملائكته ليسوا بهيئة بيروقراطية لا يهمها إلا السلامة الشكلية للإجراءات، ولكن للأسف كان هذا الاعتقاد هو المهيمن على أئمة ما يسمى بـ(الفقه)، وآية ذلك قولهم دائماً: "يكون قد أداها وتسقط المطالبة بها" دون أن يبينوا للناس من أعطاهم السلطة ليتفوهوا بقول كهذا ولا أن يبينوا لهم عند من ستسقط المطالبة.
وتعاطي المخدرات بأية صورة من الصور هو محرم أيضاً في الصيام وفي غيره للأسباب السابق ذكرها فيما يتعلق بالتدخين، وآثاره كما هو معلوم أشد وأخطر من التدخين أو تعاطي الخمور، وإذا كان الإسراف والتبذير في تعاطي الطعام من الأمور المنهي عنها نهياً صريحا مع أن تعاطي الطعام ليس محرما فكيف بتعاطي ما يتضمن التبذير والتبديد وإهلاك الموارد والإمكانات.
إن التدخين وتعاطي المخدرات هو من تبديد الموارد وإهدار الطاقات؛ فهما من صور الفساد، ومن يروجون لذلك هم من المفسدين في الأرض، والإفساد في الأرض هو من كبائر الإثم التي ستتسع على مدى العصور، فكل الصور المستجدة للفساد والإفساد في الأرض هي من كبائر الإثم التي يجب اجتنابها.

الأحد، 15 يوليو 2012

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1}


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تبدأ هذه الرسالة التامة إلى الناس كافة من رب العالمين، وبها يبدأ هذا الكتاب الملزم للناس أجمعين، وهذه الآية الجليلة هي بمثابة التوقيع الإلهي الذي يؤكد أن هذا الكتاب منزل من عند رب العالمين، وهذه الآية هي أيضا بمثابة السياج أو السور الذي يحفظ النص المقدس من التبديل أو التغيير أو التحريف أو التزوير أو الإضافة أو الحذف.
وبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قد بدأ هذا الكتاب وبدأ أيضا هذا العالم الذي يحيا فيه الإنسان، وكون هذا العالم هو مجال فعل الاسم الإلهي العظيم "الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ" يتضمن بشرى مؤكدة، فالاسم الرحمن له أصلاً كل الأسماء الحسنى بما فيها الاسم الرحيم الذي يتضمن سمة الرحمة الخالصة، لذلك فالسمة العظمى التي يشير إليها الاسم الرَّحْمـن الرَّحِيم تُفصَّل إلى سمات يغلب عليها جانب الرحمة، ولذلك تم التأكيد مراراً وتكراراً في القرآن على أن سمة الرسالة العظمى هي الرحمة، قال تعالى: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}الأنعام157، {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}الأعراف52، {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف203، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}يونس57، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}يوسف111، {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}النحل64، {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }النحل89، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً }الإسراء82، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{76} وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ{77} النمل، {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ }القصص86، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }العنكبوت51، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ{2} هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ{3} لقمان، {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ{3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{4} أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ{5} رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{6} الدخان، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ{18} إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ{19} هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ{20} الجاثية.
لكل ذلك كان من سمات دين الحق الماثل في القرآن الكريم أنه لا حرج فيه وأنه لا إصر ولا أغلال فيه وأنه لا يسمح لأحد بالاتجار به ولا بالتكسب به ولا بالعلوِّ على الناس باسمه ولا يسمح لأحد باستعباد الناس ولا باستغلالهم لتحقيق مآربه الخاصة.
كما أنه الدين الذي يتسم معتنقوه بالرحمة تجاه كل البشر وتجاه كل الكائنات الأخرى، فهو الدين الذي يأبى القسوة والغلظة والفظاظة وسوء الخلق والوحشية.
والمطلوب من المسلم أن يجاهد نفسه وأن يتغلب على كل نوازع الشر والبغضاء والكراهية والشنآن الكامنة في نفسه، وأن يعمل على تطهير قلبه وعلى أن يتحلى بصفة الرحمة تجاه كل الكائنات، ولكي يتحقق له ذلك ينبغي أن يذكر وأن يتذكَّر وأن يستحضر أسماء منظومة الرحمة الإلهية، وهي كل الأسماء الحسنى المذكورة في القرآن والتي تشير إلى سمة الرحمة وهي: الرَّحِيمِ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، الرَؤُوف الرَّحِيم، الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، الرَحِيمٌ الوَدُود، الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، الْبَرُّ الرَّحِيمُ.
كما أن عليه أن يردد سراً وجهراً الآيات القرآنية التي وردت فيها هذه الأسماء.       

الجمعة، 13 يوليو 2012

Refutation of the Blasphemy of Abrogation (I)


There is no abrogation in the Glorious Qur'ân. Actually the Qur'ân abrogated some of the previous verses (of what is with the Jews or the remnants of the religion of Ibrahîm) and kept on some others. There are no differences or contradictions or discrepancies in the Qur'ân calling to say that there is abrogation therein. The legend of abrogation is invented by some criminals & adopted by some foolish scholars. I debated with many slaves of abrogation & refuted all their arguments.
=======
One of the verses proving evolution will be a surprise for you. It is the verse which most of the so-called Muslims use to prove the false doctrine of abrogation of the Qur'anic verses: "Whatever an Ayat do We abrogate or cause to be forgotten, We bring a better one or similar to it. Know you not that Allâh is able to do all things?" The term "Ayat" in the Qur'ân does not necessarily mean a Qur'anic sentence or phrase. It can mean miracle, sign, evidence, any creature, any physical phenomenon, moral, tremendous achievement, wonderful lesson, etc.
=======
Stoning the person who committed adultery is a biblical sentence. Jesus didn't abrogate it explicitly. He was only condemning the attitude of hypocrite priests who wanted to put him in a bind. It is abrogated only in Islâm. Before its abrogation the Messenger applied the biblical sentence to show his respect toward the other prophets and religions. He said that all the prophets are brothers.
=======
The abrogation means that some of the instructions of the old religions are replaced by Qur'ânic instructions. The Qur'ân is superseding and overruling all the other religious sources including the previous Scriptures. No Qur'ânic verse was abrogated. The abrogation doctrine is invented by some devils & clergy to justify the rulers' tyranny & oppression and also to justify the aggression & the conquest of the other peoples and to re-formulate the religion as they wish.
=======
I told you that no verse of the Qur'ân is abrogated. The abrogation is a doctrine invented by some devils & clergy to justify desertion of the Qur'ân & to deny some of its verses & to legitimate the existence of priesthood in Islâm & to undermine the Qur'ânic method & the Qur'ânic logic. To consider any religious issue we must collect all the Qur'anic verses related to it. All the verses must be fully taken into account to know the Qur'ânic view or decision.
=======

The blasphemy of abrogation is based on assumed discrepancies between the Qur'ânic verses. However, Allâh declared that these verses are consistent, compatible and in complete harmony; there isn't any discrepancy in the Qur'ân.   The reported sayings or reports of the practices of the Prophet cannot contradict the message revealed to him. The Qur'ân has the highest degree of authenticity, reliability and credibility. 
=======
The Qur'ân has the absolute primacy over all the other religious sources. The religion of truth must be extracted from the Qur'ân. The foreign and regional influences must be excluded. The religion of truth has the attribute of an absolute universality.
=======

Different people have campaigned tirelessly to justify use of the so-called Sunnat (in fact the narrations) as the second primary source alongside the Qur'ân against those who would accord this Sunnat no role in the formulation on the argument that the degree of conflict in the narrations, the inadequacies of the guarantee against corruption, fraud or error afforded by the chains of narrators rendered the so-called Sunnat unfit for the sacred role of declaring the divine intent underlying the Qur'ânic declarations. The narrations cannot be considered as an independent source of religious instructions and elements. In order to accept any narration it must have a chain of narrators, must have some origin in the Qur'ân and must be completely consistent, compatible and in complete harmony with the religion of truth articulated in the Qur'ân.
=======
The Qur'ânic verses may abrogate certain ritual and social laws handed down by the earlier divine books in order to lighten Man's burden, make lawful what had previously been unlawful, and therefore demonstrate God's mercy for His creation. This is the real significance of the abrogation Qur'ânic "proof text", Q.2:106. This verse comes as it does right after a series of verses abrogating many aspects of the Jewish instructions.
=======
There is no abrogation in the Glorious Qur'ân. Actually the Qur'ân abrogated some of the previous verses (of what is with the People of the Book) and kept on some others. The calumny of abrogation was invented by some criminals & adopted by some foolish. I debated with many slaves of abrogation & refuted all their arguments. Now, the devils are using this myth against Qur'ân.
=======
Thanks to God, I have reached this conclusion (that no Qur'ânic verse is abrogated) without any need to something else. This was just when I was urged to reconsider all the religious knowledge. Then I knew that some others got the same result using different approaches & as a result of different motives. I have found, by the grace of Allâh that the direction I took is based on full comprehensive solid foundations whereas their directions were fragmental.   It is to be noted that the myth of abrogation is invented to make the Muslims desert the Qur'ân which cannot be distorted or altered for the benefit of the oral traditions & narrations whose percentage of fraud & forgery & distortion & alteration attains about 99%. This was for the benefit of all the enemies of Islâm who wanted to distort it, as it happened with the message of the Christ, or they wanted to revenge from it or wanted to aggress & enslave people. Now more than 80% of the religious materials with all the Islamic factions were derived from sources other than the Qur'ân.
=======

الأربعاء، 11 يوليو 2012

من سمات الإسلام: العالمية


إن من سمات الإسلام العالمية، وهذه السمة ثابتة بآيات كلها مكية حتى لا يظن أحد أنها نزلت بعد أن انتصر المسلمون وبدءوا حركة التوسع، ولهذه السمة التقدم والأولوية على كافة مصادر المعرفة الدينية الأخرى، فإليها يجب محاكمة كل نص غير قرآني زعموا أنه نص ديني، فما تعارض معها ليس من الدين في شيء، وتلك السمة تقوِّض كل المذاهب الضالة التي حلت محل الإسلام وأرادت إلزام كل المسلمين بعادات وتقاليد قريش وعبس وذبيان، وها هي بعض الآيات التي تثبت عالمية الدين: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{158} الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف، {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام90، {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}يوسف104، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }ص87، {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }القلم52،  {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }التكوير27، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}سبأ28.

الاثنين، 9 يوليو 2012

نظرات في تاريخ مصر (2)


يزعم بعض الجهلة والمغرضين والمغفلين أن مصر قد فقدت استقلالها منذ غزو الفرس ولم يعد إليها إلا علي أيدي الضباط الأغرار، ووجد هذا الزعم هوي لدي كل من يريد تحطيم الإنسان المصري وتعميق إحساسه بالنقص والدونية وكل من يريد السطو علي إنجازاته عبر العصور وكذلك لدي كل من يريد ترسيخ الاستبداد والقهر والطغيان، والحق هو أن مصر قد عاشت مستقلة لأحقاب ممتدة متطاولة لم يرق إليها أي وطن آخر علي مدي التاريخ إلا إذا كان يقع في ركن قصي من الأرض أو كان لا شأن له ولا تأثير علي الحضارة الإنسانية، ولقد عاشت واستمرت حضارة مصر القديمة لآلاف السنين قبل بدء تدفق الغزاة عليها، ومصر لم تفقد استقلالها إلا علي أيدي الآشوريين لفترة قصيرة ثم الفرس ثم الرومان ثم العثمانيين فتلك هي الفترات التي يمكن اعتبار أن مصر كانت مستعمرة فيها ويلاحظ أن ما حاق بمصر علي أيدي هؤلاء هو ما تعرضت له كافة الشعوب في منطقة الشرق الأوسط، فلم تنفرد مصر به بل إنها كانت دائما أكثر المناطق صمودا في وجه هؤلاء وأن من صمد فقد كان صموده بسبب دعمها وحمايتها له، أما الهكسوس فلا يعرف شيء محقق عنهم، وكل ما هو معروف يؤكد أنهم شعب هاجر إلى مصر واستوطن شمالها الشرقي وتمصر واعتنق فرعاً أو مذهبا من الدين المصري القديم وأن عاصمتهم كانت في مصر، أما اللوبيون فهم سكان صحراء مصر الغربية المتاخمة للوادي ولا شأن لهم بما يعرف الآن بليبيا وإنما هم من بقي بالصحراء من سكان مصر الأقدمين ولم يهاجروا إلى الوادي فهم من الأقوام التي ساهمت أصلا في تكوين المصريين القدماء وكانوا يعيشون علي هامش الحضارة المصرية ويتفاعلون دائما معها؛ فهم مصريون مهمشون، ولأنهم كانوا يعملون كجند مرتزقة في الجيش المصري فإنهم وجدوا الفرصة لبعض الوقت لتملك أمور مصر وحكموها كمصريين من عاصمة مصر، وهذا ما ينطبق أيضا علي النوبيين، أما اليونان فلقد استوطنوا مصر لعهد طويل قبل الإسكندر وعملوا في كافة المجالات وأقاموا مستوطنات في الدلتا واستعملهم الفراعنة كجند مرتزقة فلما استقل البطالمة بمصر فإنهم تمصروا، وهم وإن تمسكوا بلسانهم اليوناني فإنهم كانوا يستمدون كل مقومات وجودهم من مصر ولا يدينون بالولاء لدولة أخري ولا يؤدون لها الجزية ولا يعملون لحسابها، أما ما يقال عن سوء معاملتهم لمن استوطن مصر من قبلهم فإن صح فإنه لا يسقط عنهم مصريتهم وكم من مصري استوطن أجداده مصر منذ آلاف السنين كان وبالاً عليها، أما الحضارة التي نشأت علي عهدهم فهي حضارة مصرية يونانية سكندرية وكان العلماء مثل إقليدس وغيره من علماء الطب والفلك مصريين سكندريين، وكذلك الفلاسفة مثل أفلوطين كانوا مصريين وإن كتبوا باليونانية، ويجب علي مصر ألا تترك تراثها نهباً لكل من هب ودب.

المراجع (من كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1-           نظرات في التاريخ، 2008.

الخميس، 5 يوليو 2012

نهج المغضوب عليهم


من أبرز خصائص هذا النهج: محاولة إلزام الإله وتقييده بتصوراتهم وتشبيهه بخلقه، الزعم بأن الإله خاص بهم وأن عمله هو قضاء مصالحهم والسهر علي راحتهم وتنفيذ مطالبهم وتسخير الأمم لهم، شدة الاهتمام بالأمور الحرفية الفرعية والجزئية على حساب الأمور الأصلية والكلية والجوهرية، نشوء طبقة كهنوتية تحتكر لنفسها كل ما يتعلق بالدين وتتأكَّل به، هوان شأن القوانين والسنن لديهم، إهمال شأن الحكم والمقاصد من الأوامر الشرعية.
إن المغضوب عليهم يتوهمون أنهم يدافعون عن الدين بمهاجمة كل ما هو جوهري وأصيل ونبيل في هذا الدين، فهم يتوهمون أنهم يدافعون عن العقيدة الصحيحة في الإله بإنزاله إلى مستوى تصوراتهم ومحاولة إلزامه بأهوائهم، ويتوهمون أنه يمكن التقرب إليه بالإلحاد في أسمائه وعدم النظر في آياته وآلائه وبإلزامه أن يكون كما يتصورون وألا يفعل إلا ما يريدون، فهم يتصورون أنهم قد استأثروا به وفازوا بجنات النعيم لمجرد أنهم ولدوا مسلمين وأن عليه هو أن يُخضع لهم سائر العالمين وأن يُمزق لهم شمل أعدائهم حتى يستمتعوا هم بنسائهم، وفى حين أنهم لا يبذلون جهدا يذكر لأداء الرسالة المنوطة بهم فإنهم يحولون بين الناس وبين ربهم بتقديمهم للعالمين أسوأ صورة للإسلام والمسلمين فأصبحوا بذلك فتنة للقوم الظالمين، وهم يظنون أنهم المتمسكون بالكتاب وهم يعملون سيف النسخ في آياته ويقدمون عليه روايات ظنية ويلزمونه بها ويحوجونه إليها ويجعلونها قاضية عليه، وهم يتصورون أنهم يدافعون عن سنة الرسول بالتهوين من شأنه وبالتطاول على أهل بيته والسابقين الأولين لحساب من هم دونهم من المنقلبين والمبدلين والمنافقين، وهم يظنون أنهم يدافعون عن صحيح الدين بالتمسك بضلالات المبطلين وأساطير الأولين وبإهمال ما أمر الكتاب به من النظر في الآيات وتدبر السنن والقوانين، وهم يحسبون أنهم يدافعون عن وحدة المسلمين بإلزام الناس بالخضوع للظلمة والطغاة والفاجرين والدفاع عما أتوا به من الإفك المبين، وهم يزعمون أنهم عباد الرحمن بالتمسك بكل ما يؤدى إلي إهمال ملكات الإنسان وإنزاله إلي ما دون مرتبة الأنعام، وهم يريدون منه سبحانه أن يسوق إليهم النصر علي أعدائهم وهم مستلقون علي أقفيتهم، ويظنون أن كل المطلوب منهم هو التفنن في الدعاء علي أعدائهم وفي اقتراح العقوبات اللازم إنزالها بهم، وهم يريدون أن يمارسوا الدين ولكن علي حساب غيرهم، وهم يتوهمون أن القوانين والسنن يمكن أن تكون وفق أهوائهم.

الأربعاء، 4 يوليو 2012

من الأسماء الحسنى: اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ


اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ


قال تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الأنعام103  *  {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14  *  {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ }الحج63  *  {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ }لقمان16  *  {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً }الأحزاب34.

فهذا المثنى هو اسم من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى.
إن هذا الاسم يشير إلى سمة واحدة تفصيلها اللطف المقترن بالخبرة، فلأنه هو اللطيف المطلق فإن له الخبرة المطلقة، ومن له اللطف المطلق لا يمكن لأحد أن يدركه على ما هو عليه إذ أن به كل إدراك؛ فهو الخبير بكل شيء من حيث أن له اللطف المطلق والإحاطة الذاتية بكل شيء، فلطفه المطلق هو عين إدراكه المطلق لكل شيء وإدراكه لكل ما بطن من كل شيء أي عين خبرته بكل شيء، فهو الذي لا يخفى عليه شيء، ولذا فإنه المدرِك لكل اللطائف والكثائف، ولأنه كذلك فهو الذي يخرج النبات اللطيف اللين النامي الزاخر بالحياة من عمق الأرض الكثيفة الجامدة المظلمة، وهو الذي ينزل الماء الثمين اللازم للحياة بعد إخراجه مصحوبا بظواهر رهيبة مرعبة من رعد وبرق وعواصف، فهو الذي يتولى إخراج الأمر من نقيضه الظاهر، وهو الذي له إدراك كل أمر مهما خفَّ ورق ولطف في حين أنه يتعالى على كل إدراك مهما ارتقى وسما، ومن حيث هذا الاسم فهو يخرج الحكمة من بين الأحداث الرهيبة المتجهمة، وهو الذي يأتي بحبة خردل متهافتة من صخرة أو من باطن الأرض إن شاء.
فمن حيث هذا الاسم فإن له العلم بأخفى الأسرار وبأعمق البواطن لأن له الاطلاع المطلق والإحاطة الذاتية بكل شيء، ومن حيث هذا الاسم فإنه يؤثِّـر ولا يتأثر، ويفعل ولا ينفعل، ويُدرِك ولا يُدرَك، ولا يخفي عليه أخفي الخفاء ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ويعلم من خلق العلم التام، فهو لا تدركه الأبصار من حيث أن له اللطف المطلق، ولكنه هو يدركها ويدرك ما هو ألطف منها لأن له الخبرة المطلقة، والأمران يرجعان إلى سمة واحدة تفصيلها السمتان، ولذا اقتضت أولاهما الثانية عند التفصيل، فللألطف دائما إدراك الأكثـف.
فهو سبحانه لا تدركه الأبصار ولا أي حاسة أخرى من حواس الإنسان الظاهرة أو الباطنة، وهو سبحانه يؤثِّر ولا يتأثَّـر، ولا يرتكن إلى شيء بل إليه يرتكن كل شيء، ولأن له تلك السمة المعبر عنها باقتران اللطف بالخبرة فلا تزاحمه الأشياء ولا يغيب عنها إذ هو معها، ولكنها لا تدرك أنه معها لجهلها كنه ذاته ولعلو تلك الذات فوق قدرات وإمكانات الحواس الظاهرة والباطنة، فالإنسان لا يدرك أمراً إلا بما يلائمه مما لديه من الحواس، فهو يدرك الصور والهيئات بالبصر والأصوات بالسمع والمفاهيم المجردة والقوانين بإمكانات القلب العقلية والمشاعر والوجدانيات بإمكانات القلب الوجدانية العاطفية، كما يدرك الأمور المتقلبة والمتشكلة والرؤى باللطيفة الخيالية…، وهكذا، ولكنه ليس لديه حاسة ما تصلح لإدراك الذات الإلهية التي ليس كمثلها شيء، بينما يدركه الله تعالى إدراكاً كاملاً تاما لأنه هو الذي خلقه فقدره ومن ظلمات العدم أبرزه وأظهره، فهو الأعلم بمبتداه ومنتهاه.
والإنسان مهما ارتقى لن يدرك منه سبحانه إلا تجلياً من تجلياته، ولن يدرك من هذا التجلي إلا بقدر وسعه، ولو كان مؤمناً حقاً فإنه سيعلم عند ذلك بالضرورة أنه رأى تجلياً من تجليات ربه؛ فهو صادق إن قال إنه رأى ربه، ومن أنكر عليه ذلك هو صادق أيضاً، فلن يرى الله عز وجل على ما هو عليه مخلوق حادث، بل لا قِبَـل لمخلوق بذلك أصلا.